ابن جزلة البغدادي
84
منهاج البيان في ما يستعمله الإنسان
وجد الطبيب بدّا من التجربة أن لا يخاطر بفعلها . وكذلك وصّوا في التجربة أن يعتبر طعم الدواء ورائحته من قبل تناوله لئلا يكون قاتلا ؛ فإن الرائحة البشعة جدّا تنبئ عن مضرة الدواء بأبدان الناس ، وكذلك الطعم الكريه جدّا . فلو لا منافرة شديدة من الطبع له لم تبن شدة ضرره من الطعم والرائحة في تلك الحالة . وليس كل الأدوية عرفت بقصد إلى معرفتها ، بل تكون أوّل ذلك بالاتفاق ، ثم تجرّب فيتحقق ما اتفق ، كمن تناول دواء بغير قصد فأسخنه أو برّده ، أو رطّبه ، أو جفّفه ، أو نفعه من مرض ، أو ضرّه ، فحفظ ذلك وجرّب وامتحن على غيره مرارا « 1 » ففعل مثل ذلك الفعل فنسب إلى ذلك المزاج ، أو إلى تلك المنفعة أو المضرّة . وقد كان بعض الأدوية عرف بالمنام ، وأنه ينفع من علة كذا ؛ فجرّب فصح . ويجوز أن يكون كثير « 2 » من الأدوية عرفت من قبل أنبياء اللّه في الأمم السالفة ، أو لأنّ بعض الحيوانات قد ألهم أن يتداوى من علل تعرض له ببعض الأدوية ، فاستعملها الناس ، فتنفعهم من مثل ذلك . فإنّ بقراط استخرج علم الحقنة « 3 » من طائر في البحر رآه يستكثر من أكل السّمك ، فإذا امتلأ منه « 4 » وتأذّى به ، أخذ من ماء البحر في فيه « 5 » ووضع منقاره في دبره ، ومجّ ذلك الماء فيه ؛ فيستفرغ ما كان قد أكله . والحيّات تظلم أعينهنّ لكمّونهنّ في الشتاء في ظلمة بطن الأرض ، فإذا خرجن من مكامنهنّ ، طلبن نبات الرّازيانج « 6 » ، فأكلن منه وأمررن أعينهنّ عليه ؛ فيذهب عنها الظلمة العارضة لها .
--> ( 1 ) - « وجرب فأسخن مرارا على غيره » في : ل . ( 2 ) - « وقد يجوز أن يكون بعض » في : ل . ( 3 ) - الحقنة : مياه مطبوخة مع الأدوية والأدهان ، وما يجري مجراها ، تفرغ في الشرج لاستفراغ ما في الأمعاء . ينظر : التنوير : 76 . ( 4 ) - « استكثر من ذلك » في : ل . ( 5 ) - « في فيه » مضافة من باقي النسخ . ( 6 ) - الرازيانج ذكر في باب الراء . مفردة رقم [ 1027 ] .